أحيانًا نفقد القدرة على الإيمان بالأشياء،أو بأحرى نفقد فكرة أنّنا قادرين على الإيمان، أفتحُ عيني ككلُّ صباح روتيني، بارد، أشتّمُ رائحة العذاب على روحي، أفرُك جيّدًا ما تبّقى من حلمِ البارحة، لا أريدُ الحفاظ على بذرة من الحلْم سائحة في السؤال، لا أريدْ تمزيق العدم لوحدي، لقد أدركتُ منذ البدء أنّ الوحدة ترهقُ مسام الإستشعار المثبًتة على رقعة من روحي، و أدركتُ أيضًا واقعة أنّني فشلتُ في أنْ أكون أمّي، في أنْ أشتشرِف الفرح عند كلّ فجرٍ يُخفي ليل قريتنا خلفَهُ، لكن بين أمّي و بيني-تلك الفتاة التي تعثّرت يوم عند عتبة المنزل و تناست فكرة أنّها تألّمت و عادتْ لتلعَب- شيءٌ من الوفاء و آخرُ من التعبْ، نحنُ أوفياء لفكرة كونِنا نساءٌ، بنا من الهشاشة كما بنا من الحبّ الذي ما ينفّك يصنع أبدّيتنا، و لكنّنا متعبون من خوفنا على الأفول، أن تُباد تضاريس ذاكرتنا، أن نستيقظَ بدون جفون، ثم لا نستطيع تلميع الهواء لكلّ ذلك العشب الذّي ينبت من عدم. هذا الخوفُ لا يكبرُ، لا يتسّعُ، بل يتحوّل إلى ثقبٍ أسود غائرٍ، يلعبُ على أطراف الخلايا، ليفبرّك سرديّة المأساة في مياه بلون الموت، و ينخرُني السؤال مجدّاد، هل جنوب المستنقعات يحتاجُ كلّ هذا الضباب ليستمّر في المرور على أبصارنا في الأيّام المُمطرة؟ أم هل إنّه مجرّد فكرة بصريّة عنيفة نحملُها في مخيال الحزن الجماعي؟ و هل بهذا الحزن بقاعٌ ليستقّرَ فيها؟ إنّها الجبالُ عندما تصلبُ و ينمو حدادُها بين شقوقِهَا، إنّهُ شدٌّ عضلّيٌ مزمِنٌ في بطُونِ الشرايينْ، إنّهُ رهابٌ من الرُهابِ نفسهُ، إنّهُ صرخةٌ تهزُّ طبقات الجيولوجيا.
نكتفِي أنا و أنا المتوّهمة بترصيفْ أنماط الحزْن و تشفيرها على خارطة الهشاشةِ، ثمّ نرتمِي على سحابةٍ طريّة نستشّفُّ تبَخُّرها في سماء لا تَتّسِعُ لمخاوفَنا،لأنّنا كائناتٌ هلاميّة نتشّكلُ عند الحاجة الميتافيزيائيّة لعضويّتنا في التدافُع الحيّوي للمادة، ثمّ سرعان ما ننصهِرُ و نعرُجُ إلى ظلالنا. نكتفِي مرّة أخرى بتتّبُعِ وجعِ الروحِ، كيف يرمي بشباكِه على المنطقة الرماديّة لسطحِ الجسدْ، إنّنا نلعبُ خفيّة معهُ، نُداعبُ حوافهُ، ننتمِي إليه حين فنصيرهُ، و ننفرُ منهُ حين فيصِرُنا، إنّها مجرّد حبكة للعيش، نبتكرُها أنا و أنا المتوّهمة لتسكِينْ منطقة الوجعْ.


.jpg)



